أحمد زكي صفوت
118
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
بحرّتك « 1 » فلم تبق شيئا ، هذا الكلام مردود ، من امرئ حسود ، فإن كنت سابقا فإلى من سبقت ؟ وإن كنت فاخرا فبمن فخرت ، وإن كنت أدركت هذا الفخر بأسرتك دون أسرتنا ، فالفخر لك علينا . وإن كنت إنما أدركته بأسرتنا فالفخر لنا عليك ، والكثكث « 2 » في فمك ويديك ، وأما ما ذكرت من الطّليق ، فو اللّه لقد ابتلى فصبر ، وأنعم عليه فشكر ، وإن كان واللّه لوفيّا كريما ، غير ناقض بيعة بعد توكيدها ، ولا مسلم كتيبة بعد التأمّر عليها « 3 » ، فقال ابن الزبير : أتعيّر الزبير بالجبن ؟ واللّه إنك لتعلم منه خلاف ذلك ، قال ابن عباس : واللّه إني لا أعلم إلّا أنه فرّ وما كرّ ، وحارب فما صبر ، وبايع فما تمّم ، وقطع الرّحم ، وأنكر الفضل ، ورام ما ليس له بأهل « 4 » : وأدرك منها بعض ما كان يرتجى * وقصر عن جرى الكرام وبلّدا وما كان إلا كالهجين أمامه * عتاق ، فجاراه العتاق فأجهدا « 5 » فقال ابن الزبير : لم يبق يا بني هاشم غير المشاتمة والمضاربة ، فقال عبد اللّه بن الحصين
--> ( 1 ) الجرة بالضم والفتح : عصا تربط إلى حبالة ، تغيب في التراب الظبي يصطاد بها ، فيها وتر ، فإذا دخلت يده في الحبالة انعقدت الأوتار في يده ، فإذا وثب ليفلت فمد يده ، ضرب بتلك العصا يده الأخرى ورجله فكسرها ، ورسغ البعير : شد رسغ يديه بخيط . والمعنى وقعت في حبالتك ، وعاد ما فخرت به حجة عليك لا لك ، وفي الأصل « رسعت » بالعين ، ولا يستقيم المعنى بذلك ( يقال : رسع الصبى كمنع : شد في يده أو رجله خرزا لدفع العين ، ورسعت أعضاؤه : فسدت واسترخت ) وربما كان الأصل « رصعت بجرتك » من رصعه بالرمح إذا طعنه طعنا شديدا غيب السنان كله فيه ، أي طعنت بسهمك وارتدت إليك حجتك ، ومعناه كالأول . ( 2 ) الكثكث ( بفتح الكافين وكسرهما ) : التراب وفتات الحجارة . ( 3 ) يعرض بالزبير وقد بايع الإمام ثم نكث بيعته ، وخرج لقتاله مع أصحاب الجمل ثم اعتزلهم . ( 4 ) أي رام الخلافة ، وقد قال للإمام حين حاوره قبل نشوب وقعة الجمل : « لا أراك لهذا الأمر أهلا ولا أولى به منا » . ( 5 ) فرس هجين : إذا لم يكن عتيقا ، وفرس عتيق : أي كريم والجمع عتاق ، وفي الأصل « عناق » بالنون ، وهو تصحيف .